رحيل اليونيفل… موتٌ للحياة في أرضٍ ثقافتها حياة
بقلم : الشيخ وسام سليقا*
صرخة من جنوبٍ لا يريد أن يموت مرتين؛ مرةً بنار الحرب، ومرةً برحيل الأمل.يا سادة العالم، أصغوا إلى الجنوب! الجنوب ذاكرةُ إنسان، ونبضُ حضارة، وموطنُ ثقافةٍ آمنت، على امتداد تاريخها، بأن الحياة أسمى من الموت، وأن الكلمة أقدر من الرصاصة على صناعة المستقبل.رحيل اليونيفل ليس مجرّد رحيل قوةٍ دولية؛ إنّه سؤالٌ كبير عن مصير الحياة في أرضٍ أنهكتها الحروب، وعن مستقبل الإنسان حين تتراجع مظلّة الاستقرار، وتُترك القرى لمخاوفها، والعائلات لقلقها، والأجيال لامتحانٍ جديد من امتحانات البقاء.نحن لا نرفع هذه الصرخة إلا لأننا نرفض أن يصبح الأمان ضيفًا عابرًا في أرضنا؛ ولا نتمسّك بالحضور الدولي لأننا عاجزون عن حماية حقّنا في الحياة، بل لأننا نؤمن بأن مسؤولية المجتمع الدولي لا تنتهي عند حدود البيانات، ولا تُختصر في قراراتٍ تُتلى، ثم تُترك الشعوب لمصائرها.أيّها العالم!كيف يمكن أن نتحدّث عن الرحيل، فيما لا تزال في الجنوب بيوتٌ تنتظر الطمأنينة، وأمهاتٌ يردن لأبنائهنّ مستقبلًا لا تُحدّده أصوات القذائف، وأطفالٌ يستحقّون أن يحفظوا أسماء الشعراء والفلاسفة، لا أن يتعلّموا أسماء الأسلحة وممرّات النجاة؟كيف نطلب من أرضٍ عرفت معنى التضامن، وحملت أوجاع الآخرين كما لو كانت أوجاعها، أن تتقبّل بسهولةٍ احتمال انحسار مظاهر الاستقرار عنها، وهي التي دفعت من أمنها وطمأنينتها وأرزاق أهلها أثمانًا باهظة؟إنّ رحيل اليونيفل، إذا جاء قبل أن تُصان شروط الاستقرار وتُضمن سلامة المدنيين، قد يتحوّل من إجراءٍ دولي إلى جرحٍ إنساني، ومن تغييرٍ في آليات الحضور إلى فراغٍ ثقيلٍ في حياة الناس.وهنا تكمن الصرخة!لسنا ضدّ أن يغادر أحدٌ حين تنتهي مهمّته، ولسنا مع أن يبقى أيّ حضورٍ دولي إلى الأبد؛ لكننا ضدّ أن يُترك الإنسان في منتصف الطريق، وضدّ أن يصبح الانسحاب سابقًا لضمانات الأمان، وضدّ أن تُختزل حياة الشعوب في حسابات السياسة وموازين المصالح.إنّنا نريد جنوبًا لا يحتاج إلى الخوف كي يتذكّر قيمة السلام، ولا إلى الدمار كي يكتشف معنى الإعمار، ولا إلى رحيل قوةٍ دولية كي يسأل العالم: من يحمي حقّنا في أن نحيا؟نريد جنوبًا تُصان فيه السيادة، ويُحترم فيه القانون الدولي، وتُنفّذ فيه القرارات ذات الصلة، وتُحمى فيه الحدود والقرى والمدنيون، وتكون فيه الدولة حاضرةً بمؤسّساتها ومسؤولياتها، وتكون فيه كرامة الإنسان التزامًا دوليًّا ووطنيًّا لا مجرّد أمنية.يا أصحاب القرار!إن الأرض التي تنبت الزيتون لا يجوز أن تُترك لليأس، والأرض التي أنجبت الشعراء والمفكّرين لا يجوز أن تُختصر في مشاهد الدمار، والأرض التي صنعت من التنوّع ثقافةً ومن الجوار أخوّةً لا يجوز أن تُدفع إلى مستقبلٍ تُصبح فيه الهجرة قدرًا، والصمت لغةً، والانتظار أسلوب حياة.إنّنا نصرخ اليوم لأننا نريد أن نبقى غدًا.نريد أن يبقى الجنوب مساحةً للمعرفة، ومنبرًا للحوار، وموطنًا للكرامة، وجسرًا بين الثقافات، لا ساحةً مفتوحةً على احتمالات الحرب. نريد أن نعلّم أبناءنا أن العالم يتّسع للجميع، وأن الاختلاف ليس عدوًّا، وأن الإنسان لا يفقد حقّه في الحياة لأنّه وُلد على أرضٍ تتنازعها المصالح.رحيل اليونيفل… موتٌ للحياة، إذا رحل الأمان معها؛ أمّا إذا أُنجز انتقال المسؤوليات بضماناتٍ حقيقية، وحضورٍ فاعلٍ للدولة، والتزامٍ دوليٍّ بحماية الاستقرار، فيمكن للجنوب أن يحوّل القلق إلى فرصة، والفراغ إلى مسؤولية، والخوف إلى إرادة بناء.هذه ليست صرخةً في وجه اليونيفل، بل صرخةٌ في وجه كلّ احتمالٍ يجعل الإنسان آخرَ أولويات العالم.وليست دعوةً إلى بقاءٍ بلا أفق، بل مطالبةٌ بألّا يسبق الرحيلَ بديلٌ غامض، وألّا تُغلق صفحةُ مهمّةٍ دولية قبل أن تُفتح صفحةٌ أكثر ضمانًا للأمن والسيادة والامان.فالجنوب لا يطلب المستحيل؛ إنّه يطلب حقّه الطبيعي في الحياة.ومن هنا، فإنّ بقاء اليونيفل امانة يحملها كلّ من سيساهم في هذا البقاء، بالحضور أو الإعداد أو الكلمة أو الموقف، نتوجّه بخالص الشكر والتقدير؛ لأنّ الوقوف إلى جانب الجنوب في هذه المرحلة تعبيرٌ عن مسؤوليةٍ أخلاقية ووطنية وإنسانية.أيّها العالم، اسمعوا صرخة الجنوب قبل أن تتحوّل إلى صدى في ذاكرة الراحلين!نحن أبناء أرضٍ لا تريد الموت، وشعبٍ لا يريد الحرب، وثقافةٍ لا تعرف الاستسلام أمام الظلام.نحن الذين نقول للعالم، رغم كلّ الجراح:سنحمي حقّنا في الحياة، ونتمسّك بأرضنا، ونرفض أن يكون مستقبل أبنائنا رهينةً للقلق أو ضحيّةً لغياب الضمانات.فالجنوب ليس أرضًا تنتظر مَن يحرس موتها؛ إنّه أرضٌ تستحقّ مَن يصون حياتها.ولن تكون صرختنا الأخيرة: لماذا رحلتم؟بل ستكون صرختنا الأولى والأقوى:ماذا فعلتم كي يبقى الإنسان في أرضه؟والسلام على جنوبٍ يرفض أن ينكسر، وعلى إنسانٍ يرفض أن يفقد الأمل، وعلى ثقافةٍ ستبقى، مهما اشتدّ الظلام
- رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي الدرزي، ومستشار شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز



إرسال التعليق