أميركا في غرينلاند من الحماية إلى الابتزاز
أمين قمورية – أساس ميديا
لم تعد غرينلاند جزيرة تابعة للدنمارك أو موقعاً عسكريّاً متقدّماً في منظومة الدفاع الأطلسيّ وحسب، بل جعلها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عقدة جيوسياسيّة تتقاطع عندها طموحاته الإمبراطوريّة مع الهواجس الأوروبيّة وحسابات روسيا والصين في القطب الشماليّ عندما لوّح برغبته في “امتلاكها”، وربطها بأدوات ضغط تجاريّة. الأمر الذي فتح ملفّ السيادة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وطرح أسئلة غير مسبوقة عن حدود النفوذ الأميركيّ داخل التحالف الغربيّ.
تمثّل غرينلاند إحدى أهمّ النقاط الجيوسياسيّة في النظام الدوليّ المعاصر. موقعها في قلب القطب الشماليّ يجعلها نقطة مراقبة متقدّمة للتحرّكات العسكريّة الروسيّة، ولا سيما الصواريخ العابرة للقارّات والمسارات الجوّيّة والبحريّة الآتية من شمال روسيا. وتشكّل عنصراً أساسيّاً في منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخيّ الأميركيّ.
لا يمكن فصل الاهتمام الأميركيّ بالجزيرة عن تصاعد نفوذ كلّ من الصين وروسيا في المنطقة القطبيّة. استثمرت الصين في الموانئ والبنية التحتيّة ومشاريع البحث العلميّ، في إطار سعيها لإيجاد طرق تجارة بديلة وموارد استراتيجيّة. أمّا روسيا فتمتلك الوجود العسكريّ الأكبر في القطب الشماليّ، وتعتبره امتداداً مباشراً لأمنها القوميّ. تخشى واشنطن أن تتحوّل هذه المنطقة نقطة اختراق استراتيجيّ من قبل خصومها.
يضاف إلى ذلك البعد الاقتصاديّ، إذ يحتوي الإقليم على موارد طبيعيّة نادرة، من بينها المعادن النادرة واليورانيوم، وما تحت الجليد أكثر ممّا فوقه. ويفتح ذوبان الجليد تدريجاً طرق ملاحة جديدة تعزّز القيمة الاستراتيجيّة للسيطرة على هذه المسارات.
اتّفاق دفاعيّ يتحوّل إلى أداة ابتزاز
لأميركا وجود عسكريّ في غرينلاند يستند إلى اتّفاق للدفاع المشترك وُقّع عام 1951 مع الدنمارك في سياق الحرب الباردة مع الاتّحاد السوفيتيّ، ومُنحت بموجبه واشنطن صلاحيّات واسعة لإنشاء قواعد عسكريّة واستخدام الأراضي والبنى التحتيّة في الجزيرة، باعتبارها جزءاً من منظومة الدفاع عن شمال الأطلسي.
لم تعُد غرينلاند هامشاً جغرافيّاً، بل تحوّلت إلى إحدى ساحات الصراع الاستراتيجيّ في القرن الحادي والعشرين
على الرغم من أنّ الاتّفاق لم ينصّ على نقل السيادة أو المساس بها رسميّاً، أتاح للولايات المتّحدة هامش تحرّك استثنائيّاً من دون الحاجة إلى موافقات متكرّرة من كوبنهاغن، لا سيما في حالات الطوارئ. شكّل هذا الإطار حجر الأساس لإنشاء قاعدة ثولي الجويّة، التي اضطلعت بدور محوريّ في منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخيّ الأميركيّ، ولا تزال عنصراً أساسيّاً في الاستراتيجية الأميركيّة في القطب الشمالي.
لكنّ هذا الاتّفاق لم يُصمَّم ليكون بوّابة لفرض الهيمنة أو التشكُّك في سيادة دولة عضو في الاتّحاد الأوروبيّ. مع ذلك، يجري اليوم توظيفه ليكون غطاء سياسيّاً لتوسيع النفوذ الأميركيّ، وربط أمن الجزيرة حصريّاً بالأمن القوميّ الأميركيّ، وكأنّ أوروبا غائبة أو عاجزة عن حماية مجالها الحيويّ. إمعاناً في إغضاب الأوروبيّين نشر الرئيس ترامب صورة تُبرز أنّ جزيرة غرينلاند “أرض أميركيّة”، وتتضمّن لافتة كُتب عليها “غرينلاند… الأراضي الأميركيّة… أُسّست عام 2026”.
تزامن هذا التوتّر الأمنيّ مع تصعيد اقتصاديّ غير مسبوق، تمثَّل في تهديدات ورسوم جمركيّة أميركيّة دفعت الاتّحاد الأوروبيّ إلى تعليق اتّفاق تجاريّ مع واشنطن، وهو ما يُنذر بمرحلة جديدة من التوتّر البنيويّ في العلاقات عبر الأطلسي تتجاوز الاقتصاد إلى صراع سياسيّ – سياديّ مفتوح.
دفع التصعيد الأميركيّ الاتّحاد الأوروبيّ إلى إعادة تقويم موقعه الأمنيّ، ليس فقط دفاعاً عن الدنمارك، بل عن مبدأ السيادة الأوروبيّة ذاته. تبحث دول أوروبيّة كبرى، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، في تعزيز حضور أوروبيّ منسّق في غرينلاند، سواء عبر الناتو أو من خلال ترتيبات أوروبيّة خاصّة. الهدف ليس مواجهة واشنطن، بل منع أيّ استفراد بالقرار الأمنيّ، وإيصال رسالة مفادها أنّ أمن القطب الشماليّ لا يُدار بقرارات أميركيّة أحاديّة.
غير أنّ هذا التوجّه يواجه قيوداً واضحة، أبرزها الانقسامات داخل الاتّحاد الأوروبيّ نفسه، والخشية من أن يؤدّي أيّ تصعيد إلى تقويض وحدة الناتو في لحظة دوليّة حسّاسة.
تكشف قضيّة غرينلاند أنّ اتّفاق 1951 لم يعُد إطاراً دفاعيّاً تقليديّاً، بل أصبح جزءاً من معادلة جيوسياسيّة معقّدة
السّيناريوات الأوروبيّة للتّعامل مع قضيّة غرينلاند
أمام التصعيد الأميركيّ في ملفّ غرينلاند، وتداخل الأبعاد الأمنيّة والتجاريّة والسياديّة، يجد الاتّحاد الأوروبيّ نفسه أمام مجموعة محدودة من الخيارات الاستراتيجيّة، لكلّ منها كلفته ومخاطره وحدوده العمليّة. يمكن تلخيص السيناريوات الأوروبيّة المحتملة في الآتي:
– السّيناريو الأوّل: الاحتواء عبر الأطلسيّ
يقوم هذا السيناريو على احتواء الخلاف مع واشنطن داخل أطر الناتو والمؤسّسات الثنائيّة، عبر تكثيف التنسيق السياسيّ والعسكريّ مع الولايات المتّحدة والدنمارك، وتجنّب أيّ خطوات أوروبيّة أحاديّة في غرينلاند. في هذا الإطار، تسعى أوروبا إلى طمأنة واشنطن إلى أنّ أيّ حضور أوروبيّ يظلّ مكمّلاً لا منافساً للدور الأميركيّ، مقابل التزام أميركيّ غير مكتوب لاحترام السيادة الدنماركيّة وعدم تحويل الاتّفاق العسكريّ إلى أداة ضغط سياسيّ.
من شأن هذا السيناريو أن يحافظ على وحدة الناتو ويحدّ من مخاطر التصعيد مع واشنطن، لكنّه يكرّس في المقابل اختلال ميزان القوّة داخل التحالف، ويُبقي أوروبا في موقع المتلقّي لا الشريك الكامل في إدارة القطب الشماليّ.
– السّيناريو الثّاني: الردع الرمزيّ وبناء حضور أوروبيّ محدود
يفترض هذا السيناريو تعزيز حضور أوروبيّ رمزيّ ومنسَّق في غرينلاند، سواء عبر بعثات مراقبة أو تعاون علميّ–أمنيّ، أو عبر وجود عسكريّ محدود تحت مظلّة الناتو أو وفق ترتيبات أوروبيّة خاصّة. ليس الهدف هنا تحدّي الولايات المتّحدة، بل تثبيت الطابع الأوروبيّ والدوليّ للجزيرة، ومنع أيّ استفراد أميركيّ بالقرار الأمنيّ.
يمثّل هذا الخيار توازناً بين الدفاع عن السيادة وتجنّب المواجهة المباشرة، لكنّه يبقى محدود التأثير ما لم يُدعَم بإجماع أوروبيّ صلب وقدرات عمليّة مستدامة.
أمام التصعيد الأميركيّ في ملفّ غرينلاند، وتداخل الأبعاد الأمنيّة والتجاريّة والسياديّة، يجد الاتّحاد الأوروبيّ نفسه أمام مجموعة محدودة من الخيارات الاستراتيجيّة
– السّيناريو الثّالث: التّصعيد السّياسيّ – الاقتصاديّ المنضبط
يرتكز هذا السيناريو على استخدام الاتّحاد الأوروبيّ لأدواته الاقتصاديّة والتجاريّة لتكون ورقة ضغط مقابلة للضغط الأميركيّ، كما ظهر في تعليق اتّفاق التجارة. يهدف هذا النهج إلى إيصال رسالة بأنّ تحويل غرينلاند إلى ملفّ ابتزاز سياسيّ ستكون له كلفة ملموسة على العلاقات عبر الأطلسيّ.
غير أنّ هذا المسار ينطوي على مخاطر عالية، إذ قد يؤدّي إلى حرب تجاريّة طويلة الأمد، ويُعمّق الشرخ داخل التحالف الغربيّ في لحظة تتّسم بتصاعد المنافسة مع الصين وروسيا.
– السّيناريو الرّابع: الموازنة النّاعمة والانفتاح الحذِر على روسيا
يفترض هذا السيناريو أن تلجأ أوروبا إلى إعادة تفعيل قنوات التواصل مع موسكو في القطب الشماليّ، عبر آليّات إدارة المخاطر والاتّفاق على قواعد للشفافيّة والإنذار المبكر، بهدف منع تحويل غرينلاند إلى ساحة مواجهة عسكريّة مفتوحة. لا يعني ذلك تقارباً استراتيجيّاً مع روسيا، بل مقاربة براغماتيّة لتقليل التوتّر ومنع الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب بفعل التحرّكات الأميركيّة.
يبقى هذا السيناريو حسّاساً سياسيّاً داخل أوروبا، لكنّه قد يكتسب زخماً إذا شعرت بعض العواصم الأوروبيّة أنّ السياسات الأميركيّة الأحاديّة تزيد من هشاشة الأمن الإقليميّ بدل تعزيز الاستقرار.
– السّيناريو الأكثر ترجيحاً: إدارة التّناقض لا حسمه
في ضوء الانقسامات الأوروبيّة، ومحدوديّة القدرة على تحدّي واشنطن مباشرة، يُرجَّح أن يعتمد الاتّحاد الأوروبيّ مزيجاً من السيناريوَين الأوّل والثاني، أي الاحتواء داخل الناتو مع تعزيز حضور رمزيّ وأدوات ضغط سياسيّة واقتصاديّة محدودة. لا يحسم هذا النهج الصراع على غرينلاند، لكنّه يسمح لأوروبا بإدارة التناقض مع الولايات المتّحدة، ومنع تحوّله إلى قطيعة استراتيجيّة شاملة.
لأميركا وجود عسكريّ في غرينلاند يستند إلى اتّفاق للدفاع المشترك وُقّع عام 1951 مع الدنمارك في سياق الحرب الباردة مع الاتّحاد السوفيتيّ
تكشف قضيّة غرينلاند أنّ اتّفاق 1951 لم يعُد إطاراً دفاعيّاً تقليديّاً، بل أصبح جزءاً من معادلة جيوسياسيّة معقّدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسيادة والتنافس الدوليّ. بينما لا تملك أوروبا القدرة على مواجهة الطموحات الأميركيّة مباشرة، تسعى إلى إدارة هذا التحدّي عبر أدوات ردع سياسيّة ورمزيّة، ومحاولات لإعادة التوازن داخل حلف الناتو.
في المحصّلة، لم تعُد غرينلاند هامشاً جغرافيّاً، بل تحوّلت إلى إحدى ساحات الصراع الاستراتيجيّ في القرن الحادي والعشرين، واختبار حقيقيّ لقدرة الغرب على إدارة تناقضاته الداخليّة في عالم يتّجه بسرعة نحو تعدّديّة قطبيّة.












