حدد الصفحة

لبنان يترقّب جولة باكستان الثانية وجنبلاط يطرح سؤال تفويض حزب الله الدولة

لبنان يترقّب جولة باكستان الثانية وجنبلاط يطرح سؤال تفويض حزب الله الدولة

نادر حجاز -ألترا صوت

يحضر لبنان كملف أساسي في جولة المفاوضات الثانية، متى ما حصلت، بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، التي تمسك بمجموعة أوراق ضغط لا تقلّ أهمية عن الملف النووي، ومنها دور حزب الله.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أدلى بتصريح لافت قبل أيام، معلنًا أن “إيران وافقت على وقف تسليح وتمويل حماس وحزب الله”، من دون أي تعقيب بالنفي أو التأكيد من الجانب الإيراني… فهل ستتخلّى طهران بهذه السهولة عن أقوى حلفائها في المنطقة؟

فصل أم وحدة ساحات؟

استثمر كلٌّ من واشنطن وطهران ورقة وقف إطلاق النار في لبنان، حتى بدا أن الجميع خرج منتصرًا. فبينما جاء الإعلان أميركيًا بعد اتصال مطوّل بين ترامب والرئيس اللبناني جوزاف عون، كان وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي يعلن عن فتح مضيق هرمز كخطوة في مقابل وقف النار في لبنان.

نجحت واشنطن بفصل مسار لبنان عن إيران على مستوى التفاوض، ودفع بيروت وتل أبيب إلى طاولة مفاوضات منفصلة عن إسلام آباد. إلا أن المشهد اللبناني ما زال معقّدًا، في ظل عقدة أساسية تتمثّل بسلاح حزب الله، المرتبط بشكل وثيق بالمرجعية الإيرانية.

فلبنان الرسمي قال كلمته في مسألة سلاح حزب الله بقرارات حكومية واضحة بالاتجاه نحو حصر السلاح بيد الدولة منذ صيف 2025، إلا أنه عجز طوال 15 شهرًا عن تنفيذها، لا سيما في ظل المحاذير الداخلية التي تهدّد السلم الأهلي.

ومن هنا يأتي السؤال الأساس حول مدى قدرة الدولة على الالتزام بحل هذه القضية خلال المفاوضات المباشرة، لا سيما أن إسرائيل تضع شرطًا أساسيًا على الطاولة، وهو سلاح الحزب.

وأمام هذه المعضلة، تظهر إيران كجهة وحيدة قادرة على التأثير في تحديد مصير السلاح، ومن الواضح أنها تُحسن استخدامه في جولات التفاوض كما في المواجهات الميدانية ولحظات التصعيد.

ثلاثة سيناريوهات

لا تزال المسارات بين بيروت وطهران متقاطعة، فيما يقف لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة بالتوازي مع مسار إسلام آباد.

السيناريو الأول: أن تنهار المفاوضات الأميركية-الإيرانية بشكل كامل، والعودة إلى التصعيد العسكري، وهو خيار يبقى قائمًا في أي لحظة، وإن كان مستبعدًا. وفي هذه الحالة، سيعود الوضع في لبنان إلى الانفجار من جديد بعد انتهاء مهلة اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نيسان/أبريل الجاري.

السيناريو الثاني: أن يُعقد اتفاق شامل في باكستان، والتفاهم ضمنًا على كل الملفات الخلافية، من تخصيب اليورانيوم إلى الصواريخ الباليستية والأذرع. وفي هذه الحالة، ستكون الأنظار على مخرج ملف سلاح حزب الله، وما إذا كانت إيران ستوعز فعلًا بتسليم السلاح ودعم العملية التفاوضية القائمة برعاية أميركية.

السيناريو الثالث: أن تتقدّم المفاوضات من دون الوصول إلى اتفاق نهائي، بالتزامن مع الإعلان عن تمديد مهلة اتفاق وقف النار بين إيران والولايات المتحدة، والتي ستنسحب بدورها على وقف النار في لبنان، خلال اللقاء الثاني المرتقب بين لبنان وإسرائيل في اليومين المقبلين في واشنطن.

حوار داخلي لبناني

في هذه الأثناء، تتسع الخلافات الداخلية اللبنانية وتضيق المساحات المشتركة، في ظل انقسام عمودي بين فريقين: فريق مؤيد للدولة وحصر السلاح والتفاوض المباشر مع إسرائيل، وآخر مؤيد لحزب الله ورافض للتفاوض.

بالتوازي، تبرز بعض الأصوات المعتدلة التي تحاول تقديم طرح ثالث، يقوم على وضع أجندة لبنانية واضحة، ومن ثم الذهاب إلى التفاوض من موقع القوة.

ويُسجّل في هذا السياق للرئيس وليد جنبلاط مواقف متقدّمة، كان آخرها يوم السبت عبر تلفزيون “العربي”، مقترحًا التفاوض مع حزب الله بشأن نزع السلاح، على أن تأتي اللقاءات المباشرة مع إسرائيل لاحقًا.

ورأى جنبلاط أنه يمكن التفاوض مع حزب الله في هذا الشأن، مشددًا على أن السؤال الجوهري هو: “هل تستطيع الدولة التفاوض باسم الحزب ضمن ورقة الدولة حول الانسحاب الإسرائيلي؟”.

وفيما شدّد على أن الأولوية تكمن في إعادة تحرير الجنوب وتثبيت وقف إطلاق النار وترسيم الحدود، على أن يلي ذلك البحث في مباحثات ثنائية بين القيادات، حذّر جنبلاط في المقابل من تداعيات إقصاء أي مكوّن لبناني، لا سيما داخل البيئة الشيعية، وكذلك في سائر المكوّنات.

كما رأى أن هذه المقاربة قد تدفع جميع اللبنانيين، وفي مقدّمهم حزب الله، إلى الوقوف خلف الدولة والإيمان بالمسار التفاوضي كأحد الخيارات للوصول إلى الأهداف المطلوبة، داعيًا إلى وضع جدول أعمال واضح يحدّد رؤية الدولة وخطتها، بالتوازي مع التأكيد على مبدأ حصر السلاح بيدها وامتلاكها قرار السلم والحرب.

وفي السياق نفسه، طرح جنبلاط مدخلًا لمعالجة ملف السلاح، يقوم على انضواء مقاتلي حزب الله ضمن مؤسسات الدولة، من دون إعادة إحياء النقاش السابق حول الاستراتيجية الدفاعية، الذي لم يُفضِ إلى نتائج.

كما شدّد على ضرورة أن يضم الوفد اللبناني المفاوض خبراء مدنيين وعسكريين، خصوصًا أن المطلوب يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود، ضمن صيغة اتفاق أمني شبيه باتفاق عام 1949، مع تعديلات تواكب تطورات الحروب الحديثة.

دور جنبلاط

يعتبر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي في الجامعة اللبنانية، الدكتور ناصر زيدان، في حديثه لموقع “الترا صوت”، أن “ما أشار إليه جنبلاط يشكّل باب الخلاص الوحيد، مشيرًا إلى أنه بذل، إلى جانب نجله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تيمور جنبلاط، جهودًا هائلة خلال الفترة الماضية عبر اتصالات داخلية وخارجية، وزيارات إلى مختلف القوى السياسية والروحية. وهدف هذه التحركات إلى تخفيف حالة التشنج والاستمرار في مقاربات حوارية توفّق بين اللبنانيين وتخفض منسوب التوتر، وهو ما انعكس بنتائج ملموسة، وقد أشار السفير البابوي تحديدًا إلى أهمية هذه اللقاءات وجدواها”.

طاولات الحوار

يذكّر هذا الطرح بمبادرة الحوار الوطني التي أطلقها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في آذار/مارس 2006، والتي جاءت في مرحلة دقيقة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانقسام بين 8 و14 آذار. وقد بحثت طاولة الحوار حينها عناوين كبرى، لا سيما كشف الحقيقة في اغتيال الحريري والاغتيالات الأخرى، والقرار 1559، وترسيم الحدود، وسلاح حزب الله، والعلاقة مع سوريا.

ومن بعدها، عُقدت جلسات حوارية عدة برعاية بري أو رؤساء الجمهورية، وكان موضوع سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية حاضرًا دائمًا في المداولات، وكانت أبرز مقررات طاولات الحوار إقرار “إعلان بعبدا” في عام 2012، الذي نصّ على تحييد لبنان والنأي بالنفس، لكنه بقي، كسائر مقررات طاولات الحوار الأخرى، حبرًا على ورق.

وصحيح أن هناك بحثًا في الكواليس السياسية حول حوار وطني جديد، إلا أن الفكرة لم تتبلور بعد، لا سيما أن فرص نجاحها، في ظل الشرخ القائم، قد تبدو ضئيلة.

هل يتعاون الحزب؟

توازيًا، يصعّد حزب الله خطابه السياسي، لا سيما في مواجهة الدولة، مع توجيه دعوات لإسقاط الحكومة.

إلا أن الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، سجّل موقفًا متقدّمًا، وإن كان قد هاجم الحكومة واعتبر أنها تقدّم تنازلات مجانية. لكنه أكد في خطابه الأخير أن “حزب الله منفتح لأقصى التعاون مع السلطة في لبنان، بصفحة جديدة مبنية على تحقيق سيادة وطننا لبنان، في إطار الوحدة ومنع الفتنة، واستثمار إمكانات القوة ضمن استراتيجية الأمن الوطني”.

وحدّد أن الخطوة التالية يجب أن تكون بتطبيق النقاط الخمس الآتية:

1- إيقاف دائم للعدوان في كل لبنان جوًا وبرًا وبحرًا.

2- انسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي المحتلة حتى الحدود.

3- الإفراج عن الأسرى.

4- عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم حتى الحدود.

5- إعادة الإعمار بدعم دولي عربي ومسؤولية وطنية.

فهل سيفوّض قاسم الدولة بالتفاوض باسم الحزب؟

بين الحزب والحكومة

يشير الدكتور ناصر زيدان إلى أن “جميع اللبنانيين يحتضنون تضحيات حزب الله والجنوبيين، وعلى استعداد للمساهمة بكل ما يعزّز مكانة هؤلاء على المستوى الوطني ومستوى الدولة. ولكن على حزب الله أن يتخذ قرارًا اليوم قبل الغد، إذ لا بد من تأييد الحكومة في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي لتحقيق المكاسب اللبنانية”.

ويضيف: “لا نقول تفويضًا، لأن الدولة، وفق الدستور، لا تحتاج إلى تفويض. فرئيس الجمهورية يعطيه الدستور صلاحية المباشرة بأي مباحثات خارجية وعقد المعاهدات، التي تخضع بطبيعة الحال لمصادقة مجلس النواب في مرحلة لاحقة. إنما، أدبيًا ومن باب التضامن الوطني، على حزب الله أن يعيد النظر ببعض الأولويات وبخطابه السياسي، لأن هذا الأمر يؤدي إلى مزيد من الخسائر، وفيه شيء من الانتحار، ولا يفيد لبنان على الإطلاق”.

ويشدّد على أن “حماية لبنان تكون اليوم بتضامن اللبنانيين والتماشي مع التوجهات العربية والدولية العامة، واحتضان لبنان من كل هذه القوى. ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار موضوع التضامن الوطني والوقوف خلف الدولة، التي لن تفرّط في حقوق الجنوبيين ولا في حقوق اللبنانيين”.

ويوضح زيدان أن “مبدأ التفاوض ليس جديدًا، فقد سبق لوفود لبنانية أن التقت مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى خلال مؤتمر السلام في مدريد عام 1991 وبعده، وفي مباحثات ترسيم الحدود، وحتى في لجنة الميكانيزم. فإيران تفاوض أعداءها في إسلام آباد، والتفاوض أساسًا يكون بين المتخاصمين بالدرجة الأولى”.

السؤال الكبير

ويلفت زيدان إلى أنه “لم يعد بإمكان لبنان أن يتحمّل أكثر، ولم يعد بإمكان شعبه المعذّب أن يدفع أثمانًا غالية أكثر مما دفع. أعداد الضحايا كبيرة جدًا، وهناك مآسٍ لا توصَف لمن يعيش يوميات الجنوبيين وأبناء الضاحية والبقاع وسائر اللبنانيين”.

ويضيف: “السؤال الكبير هو: هل يمكن تحقيق توازن عسكري مع العدو الإسرائيلي؟ فإسرائيل عدو ولا يأتي منها إلا الشر، ولكن لنكن واقعيين؛ قوة لبنان اليوم هي في تضامن أبنائه وتماسك كل الشرائح المجتمعية خلف الحكومة، وهي الجهة الوحيدة الشرعية المؤهلة للتفاوض عن اللبنانيين”.

ويختم: “التوازن الوحيد الذي يفرض على إسرائيل الكفّ عن الاعتداءات هو تماسك اللبنانيين والوقوف خلف الدولة، في ظل الغطاء العربي الشامل، وأيضًا المجتمع الدولي الذي يزداد تعاطفه مع لبنان يومًا بعد يوم. لذلك، لا خيار أمامنا إلا بالمواجهة موحّدين، وهذا ما يخيف إسرائيل أكثر: أن يتوحد اللبنانيون خلف موقف واحد يفرض عليها وقف الاعتداءات، ووضع جدول زمني للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، والموافقة على إطلاق المعتقلين، وترسيم الحدود لاحقًا”.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com